ما هو التحرير؟—(وسر ركاكة الترجمات العربية)
↲ تتوفر هذه المقالة بنسخة بصرية. اقرأها في لينكدإن
هل تساءلتم يومًا…
عن سبب ضُعف الترجمات العربية مقارنة بغيرها؟
لا ريب أنكم، في نزوة، قررتم تفقد الترجمة العربية لفيلم، لعبة، أو مسلسل ما تُحبونه وشاهدتموه بلغته الأصل من باب الفضول. كيف تُرجم ذلك الخطاب الرائع؟ كيف وطّن المترجم ذلك التلاعب اللفظي؟ وكيف نُقلت تلك اللهجات؟
ولا ريب عندنا كذلك أن التجربة خيّبت ظنكم مرات أكثر من عدد المرات التي فاقت فيها توقّعاتكم.
أين الأسلوب الكتابي؟ لم تتحدث كل الشخصيات بنفس النبرة؟ ولماذا، رغم كون الترجمة صحيحة، انخفض استمتاعك بالقصة عند استهلاك الترجمة العربية؟
وجواب كل ما سبق واحد: لأن دور المحرر غائب من معظم وكالات الترجمة العربية وترجماتها.
التحرير

”كل المسودات الأولى خرا.”
— عن الروائي الأمريكي الفذ “إرنست
همينغوي”
ما هو التحرير؟
التحرير هو عملية تُجرى على مسودة الترجمة، هدفها تهذيب صياغتها مع التأكد من كونها تُناسب القصة والجمهور المُستهدف، لا من حيث المعنى فحسب، بل من حيث النبرة والأسلوب والسياق الثقافي كذلك.
وهو ما يحوّل الترجمة من مجموعة جُمل وكلمات إلى تجربة سلسة وممتعة، تُحاكي الأصل دون أن تُقلده تقليدًا أعمى. فالتحرير يتجاوز التصحيح إلى التحسين، ويُعنى بإبراز روح النص الأصل بلغة عربية سليمة، مؤثرة، ومُناسبة.
والفرق بين التحرير والمراجعة والتدقيق كالتالي:
| مرحلة التحرير | مرحلة المراجعة والتدقيق |
|---|---|
| - ترفع فصاحة الصياغة - تضمن دقة الترجمة - توحد أساليب المترجمين | - تصحح الأخطاء الإملائية - تصحح الأخطاء النحوية والصرفية - توحد المصطلحات والتسميات |
تأثير غياب المحرر
الكاتب أسوأ ناقد لكتابته، والترجمة في جوهرها كتابة، فبالتالي: المترجم أسوأ ناقد لترجمته. ولهذا يوجد دور المحرر. لأن الترجمة ذائقات، ولأن الذائقات ليست كلها متساوية، تحتاج الترجمة إلى شخص يطغى بأسلوبه الحاذق عليها.
لغياب دور المحرر تأثير ملموس، لا سيما إن كانت الترجمة ركيكة الصياغة من الأساس.
| بوجود المحرر | بغياب المحرر |
|---|---|
| - تُحسّن الأسطر الركيكة. - تزيد سلاسة الترجمة. - توّحد أساليب المترجمين. - تُرفع جودة الترجمة جذريًّا. | - تبقى الأسطر الركيكة كما هي. - الترجمة أحيانا مفهومة وأخرى مُبهمة. - أساليب المترجمين تتضارب بوضوح. - تتفاوت جودة الترجمة من مكان لآخر. |
دور المحرر هو أن يكبح أسوأ نزعات المترجمين وينقح المنتج النهائي منها، أن يوّحد أساليب كتابتهم كي يحس القارئ أن مُترجم النص واحد، وأن يعدّل بذائقته وقريحته العاليتين على الترجمة لإخراجها مُطابقةً لنبرة وروح النص الأصلي.
لوكليه والتحرير
نهج لوكليه التحريري
نُحدد نبرة النص والسجلّات اللغوية المُوظّفة فيه.
↓
نُحدد الفئة العمرية المُستهدفة من النص، ونضعها في الحُسبان.
↓
نُحاكي النبرة والسّجلات اللغوية الأصلية في عملية تحريرنا.
↓
نرفع جودة الترجمات ونوحد أسلوب كتابتها.
↓
ثم نراجع وندقق النص.
مثال عن تحريرنا
من توطيننا العربي للرواية المرئية「The House in Fata Morgana」/ 「البيت في الفاتا مورغانا」.
| النص الإنجليزي | الترجمة الأولية | الترجمة المحررة |
|---|---|---|
| Have you ever considered leaving the convent? | أما فكرت بترك الدير؟ | أما فكرت بترك الدير قط؟ |
| You can’t just stop being a nun, you know. It’s not that simple. I’ve made vows—sworn my life to the service of God. | لا تستطيع الراهبة ترك عملها. إن اﻷمر ليس هيّنًا؛ فأنا نذرت وحلفت بحياتي أن أخدم الله. | ليست الرهبانية بوظيفة تترك. ولا يُخفى عليك حال من مثلي؛ فقد نذرت دنياي وآخرتي في خدمة الله. |
| If I were to leave the church… it would have to be in my next life. I’d like to be a normal girl, lead a normal life. | لو أني سأترك الكنيسة… فذلك لعله في حياتي المقبلة. وسأحب أن أكون صبية تعيش كبقية الصبايا. | وإن هجرتُ الكنيسة فرضًا… فسيحصل ذلك في حياتي التالية لا بُد. أود، في حياتي المقبلة، عيش صباي كأي فتاة عادية. |
| Get married… have kids, and before I know it, I’m an old lady… thinking, “Ahh, it was an uneventful life, but it was the best I could have asked for.” That’s my dream. | فأتزوج… ويصير عندي أولاد، وما أشعر إلا وأنا عجوز… وأفكر: «آه، كانت حياة راكدة، ولكن والله ما كنت لأسأل أحسن منها.» هذا ما أتمناه. | ثم أتزوج… وأُنجب، ويمر العمر بحلوه ومرّه في طرفة عين… وحينها سأقول: “آه، كم كانت عيشتنا رتيبة، لكنها أجود ما كان لي أن أخير”. تلك أمنيتي. |
لم لا تُحرر معظم الترجمات العربية؟
لعلكم تتساءلون إذن: إن كان للتحرير درجة التأثير هذه على جودة الترجمة، فلم لا تُحرر معظم الترجمات العربية؟
والجواب مُحبط. نهجنا التحريري ممكن لاعتماده على ركيزة أساسية تفتقر لها مُعظم الترجمات العربية:
إذ إنه يبدأ من ترجمة فصيحة ورصينة تنقل روح النص ومعناه، بحيث لا تحتاج إلا تحسينات طفيفة لرفع مستواها من جيّدة إلى ممتازة، فلا تتحول عملية التحرير إلى عملية إعادة ترجمة نتيجةً لضعف المترجم وركاكة لغته.
وهذا، أي ما نعتبره الحد الأدنى في تعريفنا لـ”ترجمة جيدة”، مع بالغ الأسف حُلم بعيد المنال في أغلب الوكالات.
الحقيقة المرّة هي أن متوسّط القُدرات التعبيرية للمترجمين إلى العربية بالكاد يُسعفهم على إنتاج ترجمات مفهومة، فما بالك بترجمات صالحة للتحرير. فأغلب المترجمين إلى العربية يعانون من ضعف مزمن في التعبير بلغتهم الأم.
على سبيل المثال، كُثر ممن يخوضون اختبارنا يحولون النص ميكانيكيًّا من لغته الأصلية إلى العربية، مستعملين عبارات وتراكيب لا تسري على سليقة أي متحدث عربية، فلا تُفهم ترجماتهم إلا بردها إلى لغتها الأصل كلمة بكلمة.
إننا لسنا نُبالغ إن قلنا إن السواد الأعظم ممّن يشغرون شتى مجالات الترجمة إلى العربية لا يتقنون سوى رصّ كلمة بالتي تليها، غير مكترثين بتنافر، وضوح، أو ضعف سبك الصورة الكاملة، ولا بالمستهلك المسكين الذي سيقرأها.
فأقصى اهتماماتهم هو إنتاج نص يحتوي على كلمات عربية، قابل للفهم بعد عدد إعادات قراءة غير محدد، وصحيح “تقنيا” بما يكفي كي ينجح في اختبارات ضبط الجودة اللغوية. ولتذهب متعة النص الأصلي إلى الجحيم كما يقولون.
وأعلاه هو سبب كون إضافة خطوة التحرير لعملية التوطين استحالةً لأغلب وكالات الترجمة إلى العربية.
لأن المُستوى العام بالكاد يُسعفهم على إصدار ترجمات شبه مفهومة. فإن أضافوا التحرير كمرحلة، فسيتضاعف ما يصرفونه بحثًا عن الجودة ويقل المترجمون المؤهلون للعمل معهم حتّى يصبحوا معدودين على أصابع اليد الواحدة.
وبيني وبينك، أظننا نعرف بالضبط ما سيفوز إن خيّرت معظم وكالات الترجمة بين الجودة والأرباح.
لم نُحرر ترجماتنا في لوكليه؟
لكل عمل فني إيقاعه ونبرته اللتان تميزانه عن غيره. فلكل كاتب أسلوبه، ولكل قصّة رُوحها.
ونتيجة لذلك، عند توطين أعمال فنية لمتحدثي لغة أخرى، تحتاج كل ترجمة إلى توظيف أسلوب كتابي فريد يحاكي الجو الذي ميز ذلك العمل بلغته الأصلية لجمهور جديد بلغة جديدة.
نؤمن أن القصص المسرودة بشغف تستحق أن تترجم بنفس درجة التفاني التي بُذلت في كتابتها كي لا تقل الترجمة متعةً عن الأصل. لذا نحيك النصوص المترجمة وكأنها كُتبت بالعربية، لا تُرجمت إليها.
ولهذا لا نُركز على صحة الترجمة وحدها في اختبارات لوكليه، بل نضع في الحسبان أسلوبها، عذوبتها، سلامة سليقتها، وحُسن سبكها. لأن التحرير الممتاز يبدأ بترجمة جيدة، والزرع لا ينبت في الصخر.
من أولى الأمور التي قررناها عند إنشاء لوكليه كان التركيز على تكوين هوية تحريرية كما تفعل دور نشر الكتب.
فتوطيناتنا، على اختلاف مساهميها وجمهورها وسجلاتها اللغوية، كُلّها يمكن تمييزها إن وُضعت بجانب توطينات أخرى. فجميعها تتبع أسلوب النقحرة، والترقيم، والتشكيل ذاته. وكلّها تبجّل تجربة اللاعب فوق كل اعتبار آخر.
فضل ذلك يعود لمحررينا الذين يحرصون على تطبيق معاييرنا على جميع مشاريعنا رغم اختلافاتها، وإخراجها سلسة ومتّسقة للاعب، علاوة على ضمان الجودة اللغوية بعد ذلك عبر مراجعة الترجمة المحررة وتدقيقها.